منتديات مصر السلفية
موضوع بعنوان :مع دعاء الهم والغم : اللهم إني عبدك ابن عبدك . الشيخ محمد سعيد رسلان
الكاتب :فارس الهداليل (أبو رسلان المصري)


أما بعد ، فإذا كان الشاعر القديم قد قال :
بذلت لهم نُصحي بِمُنعرَجِ اللِّوى... فلم يَستبينوا النصحَ إلا ضُحى الغَدِ
فقد دلت استبانتُهم النصح -وإن تأخرت- ؛ على بقية عقل وصحة إدراك ، وأمَّا قومي -أصلحهم الله- فإنهم لا يستبينون النصح إلا بعد مُضِيَّ عام ، ولم يبق إلا أن نبحث عن دواء الغمِّ والهمِّ .
 أخرج الإمام أحمد في المسند ، من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "ما أصاب عبدًا همٌ ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فِيَّ حُكمك ، عدلٌ فِيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سَمِّيْتَ به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علَّمته أحدًا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ؛ إلا أذهب اللهُ همَّه وغمَّه ، وأبدله مكانه فرحا . قالوا يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : أفلا نتعلمهن ؟ قال : بلى ، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن .
فتضمن هذا الحديث العظيم أمورًا من المعرفة والتوحيد والعبودية منها : أن الداعي به صَدَّر سؤاله بقوله : "إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك" ، وهذا يتناول مَن فوقه مِن آبائه وأمهاته إلى أبَويه آدم وحواء ، وفي ذلك تَمَلُّقٌ له ، واستِخْبَاءٌ بين يديه ، واعترافٌ بأنه مملوكه ، وآباؤه مماليكه ، وأن العبد ليس له غيرُ باب سيده وفضله وإحسانه ، وأن سيَّدَه إنْ أهمله وتخلى عنه ؛ هلك ، ولم يُؤْوِهِ أحد ، ولم يَعْطِف عليه ، بل يضيع أعظم ضَيْعَة . فَتَحْتَ هذا الاعتراف : إني لا غِنى بي عنك طَرفَة عين ، وليس لي من  أعوذ به وألوذ به غيرَ سيدي الذي أنا عبده ، وفي ضِمْنَ ذلك الاعترافُ بأنه مربوب مُدبَّر ، مأمور منهي ، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه ، فليس هذا شأن العبد ، بل شأن الملوك الأحرار . وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية ، فهؤلاء عبيد الطاعة ، المضافون إليه سبحانه في قوله :  " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ " وقوله : " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا " ومن عَدَاهم عبيدُ القهر والعبودية . فإضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى مُلكه . وإضافة أولئك إليه كإضافةِ البيت الحرام إليه ، وإضافةِ ناقته إليه ، وداره التي هي الجنة إليه ، وإضافةِ عبودية رسوله إليه بقوله : " وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا " ، وفي قوله : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ " ، وفي قوله : " وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ".
 وفي التحقيق بمعنى قوله : "إني عبدك" : إلتزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة ، مع امتثال أمر سيده ، واجتناب نهيه ، ودوام الافتقار إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، وعياذِ العبد به ، ولياذِه به ، وألا يتعلق قلبُه بغيره محبةً وخوفًا ورجاءً .
وفيه أيضًا : إني عبدٌ من جميع الوجوه ، صغيرًا وكبيرًا ، حيًا وميِّتًا ، مطيعًا وعاصيًا ، مُعافَىً ومُبتلى ، بالروح  والقلب واللسان والجوارح .
وفيه أيضًا : إن مالي ونفسي مِلْكٌ لك ، فإن العبد وما يملك لسيده .
وفيه أيضًا : إنك أنت الذي مننت عليَّ بكل ما أنا فيه من نعمة ، فذلك كله من إنعامك على عبدك .
وفيه أيضًا : إني لا أتصرف فيما خوّلتني من مالي ونفسي إلا بأمرك ، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده ، وإني لا أملك لنفسي ضَرًا ولا نفعًا ، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا .
فإن صح له شهودُ ذلك ؛ فقد قال : "إني عبدك" حقيقةً .
ثم قال : "ناصيتي بيدك" ، أي أنت المتصرف فِيَّ ، تصرفني كيف تشاء ، لستُ أنا المتصرفَ في نفسي ، وكيف يكون في نفسه تَصَرٌفٌ مَن نفسه بيد ربه وسيده ، وناصيتُه بيده ، وقلبه بين أصبعين من أصابعه ، وموته وحياته وسعادته وشقاوته ، وعافيته وبلاؤه ؛ كلُّه إليه سبحانه ، ليس إلى العبد منه شيء ، بل هو في قبضة سيده أضعفُ من مملوك ضعيف حقير ، ناصيتُه بيد سلطان قاهر مالكٍ له ، تحت تصرفه وقهره ، بل الأمر فوق ذلك .
ومتى شَهِد العبدُ أن ناصيته ونواصي العباد كلَّها بيد الله وحده ، يصرفهم كيف يشاء ، لم يَخَفْهُم بعد ذلك ، ولم يَرْجُهُم ، ولم يُنْزِلْهم منزلة المالكين ؛ بل منزلةَ عبيدٍ مقهورين مربوبين ، المتصرف فيهم سواهم ، والمدبِّر لهم غيرهم .
فمن شهد نفسه بهذا المشهد : صار فقرُه وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له ، ومتى شهد الناسَ كذلك ؛ لم يفتقر إليهم ، ولم يُعلِّق أمله ورجاءه بهم ، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته . ولهذا قال هود -عليه السلام- لقومه : " إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " .
 وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "ماضٍ فِيَّ حُكمك ، عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك" ، تَضَمَّنَ هذا الكلامُ أمرين : أحدُهما : مَضَاءُ حُكْمِهِ تعالى في عبده ، والثاني يتضمن حمدَه وعدلَه ، وهو سبحانه له المُلك وله الحمد . وهذا معنى قول نبيه هود -عليه السلام- : " إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا " ثم قال : " إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . أي مع كونه مالكًا قارهًا ، متصرفًا في عباده ، نواصيهم بيده ؛ فهو على صراط مستقيم ، وهو العدل الذي يتصرف به فيهم ، فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله ، وقضاءه وقَدَرِه ، وأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه ، فخَبَرُه كلُّه صدق ، وقضاؤه كله عدل ، وأمره كله مصلحة ، والذي نهى عنه : كلُّه مفسدة ، وثوابه لمن يستحق الثوابَ بفضله ، ورحمتُه وعقابه لمن يستحق العقابَ بعدله وحكمته .
 وفَرَّق بين الحُكم والقضاء ، وجَعَلَ المَضَاء للحكم والعدل للقضاء ، فإنَّ حُكْمَهُ سبحانه يتناول حُكْمَه الدينيَّ الشرعي ، وحُكْمَهُ الكونيَّ القَدَرِي ، والنوعان نافذان في العبد ماضيان فيه . وهو مقهور تحت الحُكْمَيْن ، قد مضيا فيه ، ونفذا فيه شاء أم أبى .
لكن الحُكْمَ الكوني لا يمكنه مخالفتُه ، وأما الدينيُّ الشرعي فقد يخالفُه ، ولـمَّا كان القضاءُ الإتمامَ والإكمالَ ، -وذلك إنما يكون بعد مُضيِّه ونفوذه- قال : "عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك" . أي الحُكْمُ الذي أكملتَه وأتممته ونفَّذْتَهُ في عبدك ؛ عدلٌ منك فيه .
 وأما الحُكْم فهو ما يَحكُمُ به سبحانه ، وقد يشاءُ تنفيذه ، وقد لا يُنَفَّذُه . فإن كان حُكْمًا دينيًا فهو ماضٍ فِى العبد ، وإن كان كونيًا ؛ فإن نَفَّذَه سبحانه مَضَى فيه ، وإن لم يُنَفِّذه اندفع عنه . فهو سبحانه يُمضي ما يَقْضِي به ، وغيرُه قد يَقْضِي بقضاءٍ ويُقَدِّرُ أمرًا ولا يستطيع تنفيذَه ، فهو سبحانه وتعالى يَقْضِي وَيُمْضِي ، فله القضاء والإمضاء .
وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك" : يتضمن جميعَ أقْضِيَتِهِ في عبده ، من كل الوجوه ؛ من صحةٍ وسُقْم ، وغنىً وفقر ، ولذةٍ وألم ، وحياةٍ وموت ، وعقوبةٍ وتجاوز ، وغير ذلك . قال تعالى : " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " . وقال سبحانه : " وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ " . فكلٌّ ما يَقْضِي على العبد فهو عدلٌ فيه .
وقولُه - صلى الله عليه وآله وسلم - : "أسألُكَ بكل اسمٍ ...إلى آخره.." توسلٌ إليه بأسمائه كلِّها ، ما عَلِمَ العبدُ منها وما لم يعلم . وهذه أحبُّ الوسائل إليه تعالى ، فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه . 
وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري" : الربيعُ : المطر الذي يحيي الأرض ، شَبَّهَ القرآنَ به لحياة القلوب به ، وكذلك شَبَّهَهُ الله - تبارك وتعالى - بالنور ، وجمع بين الماء الذي تَحْصُلُ به الحياة ، والنور الذي تَحْصُلُ به الإضاءةُ والإشراق . كما جمع بينهما سبحانه في قوله : " أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ " وفي قوله تعالى : " مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ " ثم قال : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ " . وفي قوله : " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " .. الآيات.. ثم قال : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ " ..الآية.
 فتضمن الدعاءُ أن يُحْيِيَ قلبَه بربيع القرآن ، وأن يُنوِّر به صدرَه ، فتجتمعُ له الحياةُ والنور ، قال تعالى : " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " . ولمَّا كان الصَّدرُ أوسعَ من القلب كان النورُ الحاصلُ له يَسري منه إلى القلب ، لأنه قد حَصَلَ لما هو أوسعُ منه .
ولـمَّا كانت حياةُ البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياةُ منه إلى الصدر ، ثم إلى الجوارح ؛ سألَ الحياةَ له بالربيع الذي هو مادتُّها .
ولـمَّا كان الحزَنُ والهم والغم يضادُّه حياةُ القلب واستنارته ؛ سألَ أن يكون ذهابُها بالقرآن ، فإنها أحرى ألا تعود . أما إذا ذَهَبَتْ بغير القرآن ، مِنْ صحة أو دنيا ، أو جاهٍ أو زوجة أو ولد ؛ فإنها تعود بذهاب ذلك .
 والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماضٍ أحدَثَ الحزَن ، وإن كان من مستقبَلٍ أحدثَ الْهَمَّ ، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغَمَّ .
 فلم يَبْقَ بعد أن وصل القوم إلى ما وصلوا إليه ، واستعَرت الفتنةُ بنيرانها ، واتَّقَدَ أتَّونُها ؛ إلا أن نفزعَ إلى الله جل وعلا سائلينه أن يصرف عنا الغَمَّ ، وأن يكشف عنا الهَمَّ ، وأن يُذهِبَ عنا الحَزَن .


فرَّغها : أبو عائشة محمد بن محمود الحجازي - عفا الله عنه -
من خطبة الجمعة 19 من شعبان 1434هـ الموافق 28-6-2013م
اللهم إني أبرأ إليك : لفضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد رسلان
allahomma_enne_abra2o_elayk