منتديات مصر السلفية » أهل السنة في مصر » منبر مقالات مشايخ السُّنَّة وطلبة العلم في مصر » تنزيه الدعوة ،والأنبياء عن تشويه ،وتسفيه الحمقى ،والأغبياء (-2)



تنزيه الدعوة ،والأنبياء عن تشويه ،وتسفيه الحمقى ،والأغبياء (-2)

تَنْزِيهُ الدَّعْوَةِ ،وَالأَنْبِيَاءِ عَنْ تَشْوِيهِ ،وَتَسْفِيهِ الحَمْقَى ،وَالأَغْبِيَاءِ .(2) سادسا : قوله : quo ..



05-07-2013 02:40 صباحا




تَنْزِيهُ الدَّعْوَةِ ،وَالأَنْبِيَاءِ عَنْ تَشْوِيهِ ،وَتَسْفِيهِ الحَمْقَى ،وَالأَغْبِيَاءِ .(2)

سادسا : قوله : " المهم أن الإدارة الاقتصادية ليوسف وفرعون كانت تضع هدفا واحدا.. حماية الناس من الفقر، وحماية الأرض من البوار.. بغض النظر عن طبيعة عقائد المصريين أو عقائد الحكام ".
و الله لولا انتشار هذا السفه والعفن من الأفكار فما كنت لأرد عليه ،لأنه كلام ساقط بمرة ، معلوم سقوطه من الدين بالضرورة النسبية بسبب عموم الجهل و فُشُوِّه .
إن الكاتب الغر الغمر ما زال سادرا في غيه ، يرسم بقيئه حروفا ليشوه بها صفحة دعوة يوسف - عليه الصلاة و السلام – ليصل بذلك إلى إسقاط جهود العلماء ،والناصحين في بيان العقيدة الصحيحة ،والظهور بأصل الولاء ،والبراء الفرقان بين عقيدة الكفر ،وعقيدة الإيمان ،ليشفى بذلك داءه الدفين في أمعاءه جراء تشبعه بالأفكار الملوثة ،والآراء ذات الجراثيم الفتاكة .
قال تعالى :" وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)" الإسراء .
إن العقيدة الصحيحة تحول بين القوم وبين أهواءهم ،وشهواتهم ،وتعوق مسير انحرافهم ،وزيغهم عن الصراط السوي ، فراحوا يكيلون لها الضربات من كل أوب وصوب ،باللسان تارة ،وبالبنان تارة ،وبتعبير الوجوه والأبدان تارات ،مسارعين في أهل الكفر والفساد ،يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ،غافلين ،أو متغافلين عن قول ربنا :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)" المائدة .
لقد وجدت الدعوة إلى تصحيح المذاهب والأديان مرتعا واسعا في نفوس عدد لا يستهان به من المسلمين ،حتى اعتقدوا الحق باطلا ،والباطل حقا ،حتى إن كثيرا منهم ينتصر لدين الكفر ،وأتباعه انتصارا أعظم من انتصاره للإسلام ،وأهله ،في حين كونه مطالبا بالكفر بتلك الديانات ،وأهلها ،قال تعالى :" فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)" البقرة .
وقال أيضا :" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (4) " الممتحنة .
هذا ديننا الذي جاء به نبينا -صلى الله عليه و سلم- فهل من متدبر لكتاب الله –عز وجل- ،و متفقه في سنة النبي –عليه الصلاة والسلام- ؟ ،أم أنه التعالم والكبر ،والاعتداد بالنفس دون مسوغ لذلك ؟!.
ثم يزيد الكاتب هداه الله الطين بلة بقوله : "فلو تهددت حياة الناس فالعقيدة بلا قيمة" .
وأقول له : أليس في الجهاد تهديد لحياة الناس ؟ حيث تراق الدماء ،وترمل النساء ،وييتم الأولاد ،وتنفق الأموال ،وترهق الدولة ، بلى ،ولكن كل ذلك يهون بالنظر إلى إعلاء كلمة الله ،والعقيدة الصحيحة ،فالدنيا سجن المؤمن ،وجنة الكافر،فلا يهنأ المسلم حتى يضع رجله في الجنة ،ألم تتهدد حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- وحياة أصحابه –رضوان الله عليهم-؟ ،ألم يتعرضوا للخطر؟ ألم يضيق عليهم أشد التضييق ؟ ألم يُقَتَّلُوا في سبيل هذه العقيدة التي لم تألُ جهدا في تهميشها ،والتقليل من شأنها ؟ ،ألم يُنْشَر بالمنشار زكريا -عليه السلام- ؟ ،ألم يُذْبَحِ السيد الحصور يحيى ؟ ،يقول ابن القيم –رحمه الله- :" يا مخنت العزم ،أين أنت والطريق ؟طريق تعب فيه آدم ،وناح لأجله نوح ،ورمي في النار الخليل ،وأضجع للذبح إسماعيل ،وبيع يوسف بثمن بخس ،ولبث في السجن بضع سنين ،ونُشر بالمنشار زكريا ،وذُبح السيد الحصور يحيى ،وقاسى الضُّرَّ أيوب ،وزاد على المقدار بكاء داود ،وسار مع الوحش عيسي ،وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد ،تراها أنت باللهو واللعب .!!
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال ". الفوائد صــــــــ42
وقال تعالى :" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)" البقرة .
فالعقيدة الصحيحة أيها المسكين مقدمة على حياة الناس ،وأرواحهم ،ففي سبيلها يجاهدون ،ولأجلها يعيشون ،وبها يسعدون ،وينعمون ،قال تعالى :" وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج .
وقال أيضا :" وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) آل عمران .
فالصحيح الذي ينبغي أن يقال ( فلو تهددت العقيدة ،فحياة الناس بلا قيمة ).
سابعا :قوله :"حكم مدني ! علماني ! يا ربي الرحيم أنا فقط أفكر "
الحوار –كذا- القرآني يركز على الجانب المعيشي أكثر من تركيزه على الفروقالدينية.. لأن الخطر إذا جاء أكل الجميع .. ركز على العمل والوحدة والمواجهة . حتى لو تجاوز العقائد."
وهذا كما ترون كذب أصلع له قرون ،ونسْف لما قرره الخطاب القرآني في سورة يوسف ،فضلا عن سائر سوره !،من بيان التوحيد و العقيدة ،فالسورة من أولها إلى آخرها تتحدث عن مراحل التمكين ليوسف –عليه السلام- حتى يتهيأ لأمر الدعوة إلى دين ربه ، ثم تأتي أنت بجهل سافِرٍ لم تسبق إليه ،لتنفي ما تضمنته السورة ،الأمرَ العظيم ، أمرَ التمكين لرسول من رسل الله ، والتمكينِ لدعوته !، فقط لتتسلق على جهلك حتى تصل إلى منحة من نصراني ،أو عطية من عَلماني ،أو سبق صحفي ،أو إعلامي ، كما فعل أزواجك ، وأضرابك ، فبلغوا غايتهم ،وخسروا دينهم .
أين أنت أيها الدويك ، (فمحمد اسم لا يليق به أمثالُك) من قول ربنا –سبحانه- :" وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)" يوسف.
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره:" يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك ،وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ،{ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } أي: يختارك ويصطفيك لنبوته ،{ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا.
{ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بإرسالك والإيحاء إليك؛ ولهذا قال: { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ } وهو الخليل، { وَإِسْحَاقَ } ولده، وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح، { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: [هو] أعلم حيث يجعل رسالاته، كما قال في الآية الأخرى.
وقال تعالى :" وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) "
يقول تعالى: وكما أنقذنا يوسف من إخوته، { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ } يعني: بلاد مصر، { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا، { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } أي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه.
قال سعيد بن جبير في قوله: { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } أي: فعال لما يشاء. } أي: يوسف عليه السلام { أَشُدَّهُ } أي: استكمل عقله وتم خلقه. { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } يعني: النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } أي: إنه كان محسنًا في عمله، عاملا بطاعة ربه تعالى.
وقوله: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد.
وقوله: { وَلَمَّا بَلَغَ } أي: يوسف عليه السلام { أَشُدَّهُ } أي: استكمل عقله (8) وتم خلقه. { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } يعني: النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } أي: إنه كان محسنًا في عمله، عاملا بطاعة ربه تعالى ".
وقال – عز وجل-:" قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) .
وقال أيضا :" وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40).
وقال :" وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) .
ثم ختم السورة بقوله :" حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيره بعد انتهاءه من السورة :
م ما حصل له بسببه، كما قال يعقوفصل ،
في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة ....
"ومنها: أن نعمة الله على العبد، نعمة على من يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم، وحصل له في تفسيره لرؤيا يوسف { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} ولما تمت النعمة على يوسف، حصل لآل يعقوب من العز والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف.
ومنها: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين.
ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ }وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة.
ومنها: ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم، ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوا بادرهم به، وتمم ذلك بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به.
ومنها: أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدة، فـ "يوسف" عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن، استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا له: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده - رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولا أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده، وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبين فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه.
ومنها: أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له".اهـ
ثامنا : قوله :" أولا، لاحظ أسلوب الخطاب، يحدثهما بلفظة ، يا صاحبي .. حتى لو كانا وثنيان يعبدا أربابا من دون الله.
في ذات الوقت قدم لهم النصح وتأويل الرؤيا.. كما أنه انتظر الطعام ليأكلمعهم.. ثم تركهما يختارا عقيدتهما كما يشاءان، دون إكراه أو عداء أو غلظةأو تنفير.
وانتهى به الحال معهما، رغم اختلاف العقيدة، بأن خاطبهم بـ يا صاحبي .. وكررها مرتين. "
يبدو أن الكاتب المتحزلق ، المتشبع بما لم يعط ،يريد أن يتزلف بقول الله عن يوسف -عليه السلام- :" يا صاحبي السجن"إلى القول بصحة الأخوة بين المسلمين والكافرين ،وسلامة الصحبة بينهم عن الطعون و المؤاخذات !
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
عن حكم قول : " أخي " لغير المسلم ؟ وكذلك قول : " صديق " و " رفيق " ؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة ؟.
ج :"أما قول : " يا أخي " لغير المسلم : فهذا حرام ، ولا يجوز ، إلا أن يكون أخاً له من النسب ، أو الرضاع ؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع : لم يبق إلا أخوَّة الدين ، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه ، وتذكر قولنبي الله تعالى نوح : "رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَالْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَمِنْ أَهْلِكَ " .
وأما قول : "صديق " ، " رفيق " ، ونحوهما : فإذا كانتكلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم : فهذا لا بأس به ، وإن قصد بها معناها تودداً وتقربّاً منهم : فقد قال الله تعالى : " لَا تَجِدُ قَوْمًايُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْإِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ" ، فكل كلمات التلطف التي يقصد بهاالموادة : لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحداً من الكفار .
وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم : لا يجوز ، كما علمت من الآية الكريمة" انتهى . "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 3 / 42 ، 43).
وأما النهي عن قول "سيد" ، أو "سيدي" لأحدٍ من الكفار : فقد جاء ذلك في نص صحيح . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُاللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ ،فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّوَجَلَّ" . رواه أبو داود ( 4977 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود
وإذاكان هذا الحكم في المنافق فالكافر مثله ، وقد جعل النووي رحمه الله هذاالحكم شاملاً للفاسق ، والظالم ، والمبتدع ، فقد بوَّب في كتابه "رياض الصالحين" ، فقال : "باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بـ "سيِّد" ، ونحوه " .
وقال ابن القيم رحمه الله تحت فصل "خطاب الكتابي بسيدي ومولاي"
"وأما أن يُخاطب بـ "سيدنا" ، و "مولانا" ، ونحو ذلك : فحرام قطعاً ، وفي الحديث المرفوع : (لا تقولوا للمنافق : سيدنا ، فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم" .انتهى . " أحكام أهل الذمة " ( 3 / 1322).
سئل الإمام ابن باز رحمه الله تعالى:
س:يقول يسكن معي واحد مسيحي ويقول لي أخي ونحن أخوة ويأكل معنا ويشرب هل يجوز هذا العمل أم لا ؟
أجاب شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز - رحمه الله - : الكافر ليس أخا للمسلم والله سبحانه يقول:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ "ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم" فليس الكافر : يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو مجوسيا أو شيوعيا أو غيرهم - أخا للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحبا وصديقا، لكن إذا أكل معه بعض الأحيانمن غير أن يتخذه صاحبا أو صديقا إنما قد يقع ذلك في وليمة عامة أو وليمةعارضة فلا حرج في ذلك، أما اتخاذه صاحبا وجليسا وأكيلا فلا يجوز؛ لأنَّالله قطع بين المسلمين وبين الكفار الموالاة والمحبة، قال سبحانه في كتابهالعظيم: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيإِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْوَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًاحَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ".
وقال سبحانه: "لَاتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَمَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْأَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ". الآية .
فالواجب على المسلم البراءة من أهل الشرك وبغضهم في الله،ولكن لا يؤذيهم ولا يضرهم ولا يتعدى عليهم بغير حق إذا لم يكونوا حربا لنا، لكن لا يتخذهم أصحابا ولا إخوانا ومتى صادف أنه أكل معهم في وليمة عامة أو طعام عارض من غير صحبة ولا موالاة ولا مودة فلا بأس، ويجب علىالمسلم أن يعامل الكفار إذا لم يكونوا حربا للمسلمين معاملة إسلامية بأداء الأمانة، وعدم الغش والخيانة والكذب، وإذا جرى بينه وبينهم نزاع جادلهم بالتي هي أحسن وأنصفهم في الخصومة عملا بقوله تعالى: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" .
ويشرع للمسلم دعوتهم إلى الخير ونصيحتهم والصبر على ذلك مع حسن الجوار وطيب الكلام لقول الله عز وجل" : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".
وقوله –سبحانه-: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا".
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.(مجموع فتاوى ومقالات_الجزء السادس).
إذن ،لا تجوز مثل تلك العبارات بين مسلم وكافر ،ولفظ الصحبة الذي استدل به الكاتب الدويك لا يفي له بالمقصود ، و لا يصح في الاستدلال ،فالصحبة المذكورة ،إنما هي الملازمة و المجاورة بالمكان و الزمان ،لا صحبة المودة و الاصطفاء ،ألا ترى أنه أضاف الصحبة إلى السجن ، ولم يطلقها ، ليدل على المقصود بها ، فلا بد من مراعاة ذلك القيد ،قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره :" قوله تعالى : { يا صاحبي السجن } أي يا ساكني السجن وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه كقولك : أصحاب الجنة وأصحاب النار".
وقال الطبري الإمام –رحمه الله- في تفسيره :" فقال: (يا صاحبي السجن)، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما"صاحبيه" لكونهما فيه ، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وكذلك قال لأهل النار ، وسماهم"أصحابها" لكونهم فيها" .
وقال البغوي -رحمه الله- في تفسيره :" فقال:{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ }جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار".
وبذلك يظهر أنه لا صداقة بين المشرك ، والكافر ، ولا أخوة ، و لا مصاحبة عن مودة واصطفاء ،بخلاف ما انتشر منذ زمن ليس بالقريب من استسهال استعمال مثل تلك الألفاظ التي تتنافي مع أصل الولاء والبراء ،إما تنافيا جزئيا ،أو كليا ،بسبب دعاة لم يحكموا فهم دلالات النصوص ،ولم يضبطوا أصول هذا الدين وضوابطه ، فهرفوا بما لم يعرفوا ، وقالوا بما لم يعلموا ، فضلوا وأضلوا ، وحرفوا ،وانحرفوا .!!
تاسعا : عرضه لصورة الممثل الإيراني الفاسق /مصطفى زماني ،عند حديثه عن النبي يوسف –عليه السلام- وهذا الفعل منه إهانة عظيم في حق النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ، وتجرؤ سافر على مقدسات المسلمين ، وعدوان على دينه !!
لا أدري كيف قويت نفسه على هضم المسألة ،دون اعتبار لما يترتب عليها من أحكام ،وأوصاف في حقه !.
إن المساس بنبي واحد من أنبياء الله ،مساس بهم جميعا ، والاعتداء على واحد منهم ، هو اعتداء على الجميع ،فالذي يفعل مثل هذا ،فإنه يستطيع فعله مع الباقين ،لأن الضابط عنده ليس انطلاقا شرعيا تؤيده النصوص ،والأدلة ،بل انطلاقا غوغائيا هوائيا شهوانيا ،تضغط على زناده المصلحة الشخصية ، والرغبة الدفينة .
قال تعالى :" لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ". عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظامًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه (4) قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير.
وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يسود.
وقال مقاتل [بن حَيَّان] (1) في قوله: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا بن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله (2) .
وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه.
هذا قول. وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } [البقرة: 104]، وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } إلى قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } [الحجرات: 2-5]
فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- والكلام معه ،وعنده ،كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته .[تفسير ابن كثير]
فالواجب التأدب مع الأنبياء و الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم- في جميع المقامات ،و الأحوال ،لأنه إذا ثبت الأمر بالتأدب مع نبينا –صلى الله عليه وسلم- ،فهو أمر بالتأدب مع جميع الرسل و الأنبياء .
ففي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال : "بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئا كرهه فقال لا والذي اصطفى موسى على البشر فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي بين أظهرنا فذهب إليه فقال أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا ففما بال فلان لطم وجهي فقال لم لطمت وجهه فذكره فغضب النبي حتى رؤي في وجهه ثم قال : "لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور ،أم بعث قبلي ،ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى".
ولْيُعْلَمْ أن المساس بجناب الأنبياء و المرسلين على نحو فيه التقليل من شأنهم ،أو التنقص لهم ،أو الاستهزاء بهم إلخ ، كفر مجرد و رِدَّة مستقلة ،قال تعالى :" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)". التوبة
ومع ذلك الوعيد الشديد لا يزال بعض الضلال المتأكِّلين بدين الله يبيحون تجسيد أدوار الأنبياء ،والرسل في المسرحيات ، والأفلام ،والمسلسلات ، حتى انطبعت صور الفسقة ،والدعارفي أذهان الناس ،وحلَّت مكان الأنبياء و المرسلين في قلوبهم ، ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .
عاشرا : على كل مسلم يؤمن بالله ،واليوم الآخر أن يتثبت من المعلومات قبل نشرها ، وأن يحرص على دينه حرصا شديدا ، وذلك بسؤال أهل العلم ،واسترشادهم في جميع الأمور ،والأحوال ،فقد عم الجهل ،وكثر التعالم ،وانتشرت الفوضى في الأرجاء ،وقوي ساعد النفاق ،والكفر فامتد نحو المسلمين يريد الأخذ بتلابيبهم ،والقضاء عليهم ،وصدق نبينا –صلى الله عليه وسلم- .
فقد أخرج البخاري و مسلم من حديث حذيفة –رضي الله عنه- قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال ( نعم ) . قلت وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال ( نعم وفيه دخن ) . قلت وما دخنه ؟ قال ( قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر) . قلت فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال ( نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) . قلت يا رسول الله صفهم لنا قال ( هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ) . قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) . قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال ( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .
فالحذر الحذر أيها المسلمون .

تم الانتهاء منه ليلة الخميس
ليلة ست من شهر رجب
لسنة 1434من الهجرة
وكتب
صلاح بن عبد الوهاب أمين
أبوعبد الله قرةِ العين









ابلاغ عن مشاركة مخالفة !


المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
تنزيه الدعوة ،والأنبياء عن تشويه ،وتسفيه الحمقى ،والأغبياء .(1) أبو عبدالله صلاح عبدالوهاب أمين المصري
0 506 أبو عبدالله صلاح عبدالوهاب أمين المصري


« تنزيه الدعوة ،والأنبياء عن تشويه ،وتسفيه الحمقى ،والأغبياء .(1) | حقيقة مؤلمة »