منتديات مصر السلفية » أهل السنة في مصر » منبر مقالات مشايخ السُّنَّة وطلبة العلم في مصر » مواساة ثكلى



مواساة ثكلى

quot; مُوَاسَاةُ ثَكْلَى quot; إنَّ الحمد لله ،نحمده ،ونستعينه ،ونستغفره ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ،وسيئات أعمالنا ..



30-07-2013 02:26 صباحا




" مُوَاسَاةُ ثَكْلَى "

إنَّ الحمد لله ،نحمده ،ونستعينه ،ونستغفره ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ،وسيئات أعمالنا ،من يهده الله ،فلا مضل له ،ومن يضلل ،فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أنَّ محمدا عبده ،ورسوله ،
وبعد :


فإنَّ الحياة على طولها وعرضها في ظل ما يتعرض له المؤمنون من المحن والإحن لكفيلة بأن ينسى المرء نفسه ،ويحيا في خفائه دون ما يبدو منه ،ويعيش في غيبه دون شهادته ،وأن يدفن في مقبرة أحزانه وآلامه ،فليس لحياته معنى دون تلك الذكريات المؤلمة ،وليس لروحه مسرح سوى في تلك الأسوار العالية المظلمة !! فهي غذاؤه(تلك الأحزان والآلام) الذي صدَّه عن كل غذاء ،وهي نشاطه الذي استغنى به عن كل نشاط !! فلا يزال بها مترديا في أودية من التيه والضياع فاقدا الأمل في كل شيء له ومن حوله !! وهنا يرقص الشيطان على أيقاع أحزان وهمية لا حقيقة لها نجح في أن يصد بها المؤمن عن اغتنام أثمن وأغلى ما وهبه الله ،ألا وهي الحياة المطمئنة في كنف ذكر الله وعبادته والرضا به وبقضائه .
إن المؤمن عاقلٌ بصيرٌ ،يدرك من المعاني الجليلة والأُعطيات المنيفة فيما يتعرض له من أحداث مؤلمة ،وظروف صعبة شديدة ما وراء ظواهرها من حب الله له فيها وبها ،وأرادة الخير به ما قاله ربنا الحكيم في كتابه :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ".
وقوله أيضا :" إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
".
وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ".

وبهذا يدرك المؤمن حقيقة رائعة ،وهي أنَّ الله ما أخذ منه إلا ليعطيه أوفر مما أخذ منه ،وما حرمه إلا ليشبعه ويملأه ،وما قدَّر عليه ما أحزنه وآلمه إلا ليسعده ويبهجه ،فقط وقفة للتأمل والتفكر ،يقول فيها وعنها ربنا جل في علاه :" وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ".
نعم ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط ".
صبغة واحدة يُصْبغُها أهل الحزن والألم على مدار الحياة بطولها وعرضها في الجنة فينسون ما كان ،ويغيبون في نعيمهم عما كان من أحزانهم وآلامهم !!
فياليت قومي يعلمون ما وراء البلاء بعد الصبر عليه والرضا عمن قدَّره وقضاه من نعيم مقيم ،وسعة في العيش ،وسرور لا يعقبه حزن ،وراحة لا يتلوها ألم !!


بل ليتهم يتأملون عظيم المنحة وجليل النعمة على الأب والأم يوم أمر الله بقتل صغيرهم وسويداء قلبهم ،يقول الرحيم العليم الحكيم في كتابه :" فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ".
لقد جئت شيئا نكرا ،هذا حكم الظاهر الذي حكم به موسى عليه الصلاة والسلام
لكن الحقيقة الباطنة التي غابت عن الشهود والعلم :" وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ".
تُرى هل تألمت الأم وتوجع الأب لفراق الصغير ذي الضحكة النقية التي تقضي بصفائه ونقائه ،وتدعو إلى المرارة والغصة عند ذهابها وانقطاعها ،نعم تألما وتوجعا بلا شك ،ولكن !! ولكن ماذا ؟!
إنها الرحمة في أبهى صورها ،إنها الحب الكامن فيما لا يستوعبه العقل البشري حين يغلو في شهود الفعل الظاهر ،ودون التأمل في غيب الحكمة الباطنة .
لماذا يموت الصغير قبل أن ينعم به الكبير ؟! لماذا يفارقنا الصبي قبل الشِّبع من صورته ،في منظر مروع وقتلة صعبة ،صغير تُنزع رأسه من جسده ؟!!
مات الصغير حتى لا يشقى به الكبير . فارق الصبيُّ حتى لا تلعن صورته من بعد .
فقط أختنا اصبري واحتسبي . فقط أيتها الثكلى تأملي وتدبري . فقط أيتها المؤمنة استرجعي وحوقلي ،ودعي البقية على الله .
لما مات أبو سلمة رضي الله عنه ،صبرت واحتسبت أم سلمة وقالت :" إنا لله وإنا إليه راجعون ،اللهم أجرني في مصيبتي ،وأخلف لي خيرا منها ،ومن يارب خير من أبي سلمة ؟!!
فارقها حبيبها وزوجها ،وظنت أنه لا خير بعده يرجى من رجل سواه ،لكنها احتسبت ورضيت وسكنت ولأمر ربها فامتثلت ،فكانت الرحمة العاجلة ،والعطاء الذي ليس بعده عطاء من صنف الرجال ،والخير الذي ظنته رحل برحيله -رضي الله عنه-،مما لا يقوم له الخير الذي رأته في كنف وحب ودفء أبي سلمة . تدرين أيتها المباركة ما هو الخير الذي خبأه الله لها بعد موت أبي سلمة ؟!!!
إنه رسول الله زوجا !!
إنه رسول الله حبيبا !!
إنه رسول الله كنفا ومؤنسا !!
وأخيرا وليس آخرا ،إنه رسول الله رفيقا في الدنيا والآخرة حيث الجنة ، وزوجا وصاحبا !!
صلى الله عليه وسلم .

فأبشري أختنا بالخير الوفير ،والسعادة والحبور . فما ظنك برب رحمن رحيم ،عليم خبير ،لطيف حكيم ؟!!!
فقط اصبري واحتسبي ،وعن الله فارضي ،ولطاعته وعبادته الزمي ،ولا تفارقي ،وسرعان ما ستنتهي الحياة ،وغدا يلتقي الأحبة !!.

وكتب
أبو عبدالله قرةِ العين
صلاح عبدالوهاب أمين
المصري

 









ابلاغ عن مشاركة مخالفة !




« تراجع الشيخ الدكتور طلعت زهران في فتوى الإحتشاد الذي طلبه السيسي | التعالم المقدس وخطره على الأمة »