منتديات مصر السلفية » الأقســام » قسم الحديث والمصطلح » حديث : إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها حديث مشكل جداً والصواب في شأنه



حديث : إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها حديث مشكل جداً والصواب في شأنه

كنت قد كتبت مقالة حول حديث مشكل جداً يتعارض في ظاهره مع عمومات الشريعة وأحاديث صحيحة جداً ؛ ثم تبين لي - ولله الحمد وال ..



05-10-2013 09:40 مساء



كنت قد كتبت مقالة حول حديث مشكل جداً يتعارض في ظاهره مع عمومات الشريعة وأحاديث صحيحة جداً ؛ ثم تبين لي - ولله الحمد والمنة - نكارة الحديث سنداً ومتناً ؛ وهذا هو المقال أولاً :
                   (( إشكال كبير في حديث صحيح ! ))

من الأحاديث المشكلة ما رواه ابن ماجة في ( السنن ) برقم 4245 فقال :
حدثنا عِيسَى بن يُونُسَ الرَّمْلِيُّ ثنا عُقْبَةُ بن عَلْقَمَةَ بن خَدِيجٍ الْمَعَافِرِيُّ عن أَرْطَاةَ بن الْمُنْذِرِ عن أبي عَامِرٍ الْأَلْهَانِيِّ عن ثَوْبَانَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال :.
( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا من أُمَّتِي يَأْتُونَ يوم الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا الله عز وجل هَبَاءً مَنْثُورًا !
قال ثَوْبَانُ : يا رَسُولَ اللَّهِ ! صِفْهُمْ لنا جَلِّهِمْ ؛ لنا أَنْ ؛ لَا نَكُونَ منهم وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ؟
قال :
أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ من اللَّيْلِ كما تَأْخُذُونَ ؛ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إذا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) .
ورواه الروياني في ( مسنده ) برقم 651 فقال :
حدثنا محمد بن إدريس حدثنا عيسى بن يونس الرملي حدثنا عقبة بن علقمة عن أرطأة بن المنذر عن أبي عامر عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( لأعلمن اقواماً من امتي يأتون يوم القيامة بحسنات امثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثوراً .
قال ثوبان : يارسول الله ! صفهم لنا وجلهم لا نكون منهم ونحن لا نعلم ؟
قال :
( أما إنهم أخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) .
ورواه الطبراني في ( المعجم الصغير ) - ( الروض الداني ) - ج1/ ص 396 برقم
622 فقال :
حدثنا عبيد الله بن محمد بن الصنام الرملي حدثنا عيسى بن يونس الفاخوري الرملي حدثنا عقبة بن علقمة عن أرطاة بن المنذر عن أبي عامر الألهاني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لألفين أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً فقالوا :
يا رسول الله !
صفهم لنا لكي لا نكون منهم ونحن لا نعلم ؟
فقال :
أما إنهم من إخوانكم ؛ ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) .
لا يروى عن ثوبان إلا بهذا الإسناد ؛ تفرد به عقبة .
واسم أبي عامر : عبد الرحمن بن يحيى ؛ ويقال : عبد الله بن يحيى .
ثم رواه في ( المعجم الأوسط ) ج5/ ص46 برقم 4632
حدثنا عبيد الله بن محمد بن الصنام الرملي قال حدثنا عيسى بن يونس الرملي قال ثنا عقبة بن علقمة عن أرطاة بن المنذر عن ابى عامر الألهاني عن ثوبان قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لألفين أقواماً من امتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال
تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً .
قالوا :
يا رسول الله !
صفهم لنا لكى لا نكون منهم ؛ ونحن لا نعلم قال :
أما إنهم من إخوانكم ولكنهم اقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) .
ورواه المزي في ( تهذيب الكمال ) ج15/ ص418 :
أخبرنا أحمد بن أبي الخير قال أنبأنا أبو القاسم غانم بن محمد بن أبي القاسم الجلاب الأصبهاني قال أخبرنا أبو طاهر إسحاق بن أحمد بن جعفر الراشتيناني قال أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال حدثنا عبيد الله بن الصنام الرملي قال حدثنا عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال حدثنا عقبة بن علقمة عن أرطاة بن المنذرعن أبي عامر الألهاني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لألفين أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً .
فقالوا :
يا رسول الله !
صفهم لنا كي لا نكون منهم ونحن لا نعلم ؟
فقال :
أما انهم من إخوانكم ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) .
قال الطبراني : لا يروى عن ثوبان إلا بهذا الإسناد تفرد به عقبة .
رواه بن ماجة عن عيسى بن يونس فوافقناه فيه بعلو وليس له عنده غيره .
ورواه الطبراني في ( مسند الشاميين ) برقم 667 فقال :

حدثنا الحسن بن جرير الصوري ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، ح وحدثنا عبيد الله بن الصنام الرملي ، قالا : ثنا عقبة بن علقمة البيروتي ، عن أرطاة بن المنذر ، عن أبي عامر الألهاني ، عن ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباء منثوراً » .

قال ثوبان : يا رسول الله صفهم لنا وجلهم لا نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال :
« أما إنهم إخوانكم من جلدتكم يأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها » .


وقال الحافظ البوصيري في ( مصباح الزجاجة ) ج4/ ص 246 برقم 7151
( هذا إسناد صحيح رجاله ثقات ؛ وأبو عامر الألهاني اسمه عبدالله بن غابر ) .
قلت :
سئلت كثيراً عن وجه الجمع بين هذا الحديث وبين كون المسلم يعمل المعاصي والمحرمات خفية ؛ فهل ينطبق عليه هذا الحديث من جهة كونه ينتهك ما حرمه الله تعالى إذا ما خلا بالمعصية ؟

فأجبت :

الحمد لله ؛ لا يوجد إشكال إذا علمنا أن المقصود بحديث ثوبان هم الذين يراؤون الناس بإظهار التقوى والصلاح ؛ ثم إذا خلوا بالمحرمات انتهكوها ؛ ولهذا قال ابن حجر الهيتمي المكي في كتابه : ( الزواجر) ج2/ ص763 :
الكبيرة السادسة والخمسون بعد الثلاثمائة :
( إظهار زي الصالحين في الملأ وانتهاك المحارم ولو صغائر في الخلوة ) :
أخرج ابن ماجه بسند رواته ثقات عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثوراً ) .
قال ثوبان :
صفهم لنا يا رسول الله ؟
أو جلهم لنا لئلا نكون منهم ونحن لا نعلم ؟
قال :
( أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) .
 
 
وأقول الآن مبيناً وجه النكارة في السند :
 
 
قال الحافظ الناجي في كتابه القيم : " عجالة الإملاء " ص 419  - تحقيق : عكاشة - :
( فيه شيخه  -  يعني شيخ ابن ماجة  - عيسى بن يونس الرملي وهو صدوق ربما أخطأ ، وفيه عقبة بن علقمة بن صالح المعافري وهو صدوق -  أيضاً  -  لكن كان ابنه محمد يدخل عليه ما ليس من حديثه ) !
وما قاله الحافظ الناجي انتقاد قوي في محله ؛ ويضاف إلى هذا النقد ما أفاده الإمام مسلم في مقدمة " صحيحه " ص 6 من قوله :
" أَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَالَتِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ وَاللهُ أَعْلَمُ "
وهكذا نقول " فأين أصحاب أرطأة بن المنذر الثقة الإمام  -   كما يقول الذهبي عنه  -  في جلالته وكثرة أصحابه المتقنين من أمثال : الإمام عبد الله بن المبارك وهو من هو ، والحكم بن نافع الثقة الثبت كما يقول ابن حجر , وعبد القوس بن الحجاج الذي يعد من ثقات الشاميين ومسنديهم كما يقول الذهبي , وبقية بن الوليد , وغيرهم ممن هو دونهم قليلاً مثل إسماعيل بن عياش ,  والجراح بن مليح  , وعصام بن خالد الحضرمي , ومبشر بن إسماعيل ، وغيرهم حتى ينفرد عقبة بن علقمة هذا  -  مع ما فيه من كلام
من إدخال ابنه عليه ما ليس من حديثه -  دونهم جميعاً بهذا المتن المنكر !؟
وقد وهم  الدارقطني عقبة بن علقمة في حديث ذكره في " العلل " 7 / 73
وفي " العلل " 10 / 58 , وفي " العلل " 14 / 244 .
 
وأما نكارة المتن فظاهرة في مخالفته لعمومات الشريعة من آيات وأحاديث صحيحة ؛ فمنها قوله تعالى :
" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً " !
وقوله عليه الصلاة والسلام :
" كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْه " : رواه البخاري برقم  5721 ومسلم برقم 2990   
فهذا الحديث يعارض هذه العمومات من كون المسألة هي الحسنات والسيئات كما قال تعالى :
" فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ومن خفت موازينه فأمه هواية " !
وإحباط كل الحسنات لا يكون للمؤمن العاصي أبداً إلا أن يكون عياذاً بالله تعالى مشركاً شركاً أكبر فيحبط عمله كما قال تعالى :
" وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً " !
فهذا الحديث المنكر يجعل المؤمن العاصي بفعله للمحرمات عند خلوه بها كهذا المشرك الذي جعل الله تعالى عمله هباء منثوراً !!
وقد وقفت على جواب لبعض من كتب في " ملتقى أهل الحديث " -  ويسميه شيخنا الإما الربيع " ملتقى أهل البدع " كما حدثني بذلك شخصياً  -  قال فيه  - نقلاً عن موقع حزبي هو " الإسلام سؤتل وجواب " :
الجمع بين حديثي ( لأعلمن أقواماً يأتون بحسنات ) و ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين )
كيف نستطيع الجمع بين الحديثين الشريفين: ( أناس من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً ) ، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : الذين إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، وبين قوله صلى الله عليه وسلم : كل أمتي معافى إلا المجاهرون.

الجواب:

الحمد لله
أولاً:
نص الحديثين موضع الإشكال :
أ. عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) .
رواه ابن ماجه ( 4245 ) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه " .
الهباء في الأصل : الشَّيءُ المُنْبَثُّ الَّذي تَراه في ضَوْء الشمسِ .
محارم الله : هي كل ما حرَّمه الله تعالى من المعاصي ، الصغائر ، والكبائر .
ب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ.
رواه البخاري  5721 ومسلم  2990
قد استشكل كثير من الناس الجمع بين هذين الحديثين ، وتعددت أماكن سؤالهم عن ذلك الجمع ، ونذكر ما تيسر من أوجه الجمع بينهما ، سائلين الله تعالى التوفيق ، فنقول :
إن الذي دعا إلى استشكال الحديثين هو ما حواه معناهما مما ظاهره التعارض ، فإن الحديث الأول ليس فيه أن أصحاب المعاصي قد جاهروا بمعاصيهم ، وبمقتضى الحديث الثاني فهم " معافوْن " ، فكيف تحبط أعمالهم ، ويتوعدون بالسخط والعذاب ؟! ومن هنا جاء الإشكال في ظاهر الحديثين ، فذهب العلماء في الجمع بينهما مذاهب شتَّى ، ومن ذلك :
  1. القول بتضعيف حديث ثوبان ، وقد علَّله بعضهم فضعَّف سنده بالراوي " عقبة بن علقمة المعافري " ، وحكم على متنه بالنكارة .
    أ. ويرد على تضعيف سنده :
    بأن الراوي عقبة بن علقمة وثَّقه كثيرون ، وممن وثقه : ابن معين ، والنسائي ، ومن حكم على رواياته بالرد فإنما هو إذا روى عنه ابنه " محمد " ، أو روى هو عن " الأوزاعي " ، وهذا قول الأئمة المحققين في حاله ، وليست روايته في هذا الحديث عن الأوزاعي ، ولا رواه عنه ابنه محمد ، فالسند حسن على أقل أحواله .
    ب. ويرد على نكارة متنه بأن له نظائر معروفة ، كما في قوله تعالى : ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) النساء/ 108 .
    وهو وإن لم يكن فيه حبوط أعمال أولئك بلفظ الآية ، إلا أنه يُعرف ذلك بمعناها .
    قال ابن كثير رحمه الله:
    هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس ؛ لئلا ينكروا عليهم ، ويجاهرون الله بها ؛ لأنه مطّلع على سرائرهم ، وعالم بما في ضمائرهم ، ولهذا قال : ( وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) تهديد لهم ، ووعيد .
    "
    تفسير ابن كثير " ( 2 / 407 ) .
  2.  أن حديث ثوبان في المنافقين ، وحديث أبي هريرة في المسلمين ، فلا تعارض بينهما ، لا سيما إذا حملنا النفاق هنا على النفاق العملي الذي لا ينافي أخوة الإيمان .
    والواقع أن المتأمل في حال بعض من يقع في المنكرات هذه الأيام من أهل الخير والصلاح الظاهر ، وباعتراف من يتوب منهم يجد عجباً ، من ارتكاب ذنوب " الخلوات " بشكل يمكن إطلاق وصف " انتهاك " عليه ! فمن هؤلاء من تكون خلواته في مشاهدة الفضائيات الفاسدة ، والنظر في الإنترنت إلى مواقع الجنس الفاضح ، واستعمال أسماء مستعارة للمحادثة والمراسلة مع الأجنبيات ، ثم تجد هؤلاء لهم نصيب في الظاهر من الاستقامة ، في اللباس ، والصلاة ، والصيام ، ومن هنا كان هذا الحديث محذِّراً لهؤلاء أن يكون حالهم حال المنافقين ، أو أن يكونوا أعداء لإبليس في الظاهر ، أصدقاء له في السرِّ ، كما قال بعض السلف .
    قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:
    الكبيرة السادسة والخمسون بعد الثلاثمائة : إظهار زي الصالحين في الملأ ، وانتهاك المحارم ، ولو صغائر في الخلوة : أخرج ابن ماجه بسند رواته ثقات عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لأعلمنَّ أقواماً مِن أمتي يأتون .... ) .
    لأن من كان دأبه إظهار الحسن ، وإسرار القبيح : يعظم ضرره ، وإغواؤه للمسلمين ؛ لانحلال ربقة التقوى ، والخوف ، من عنقه .
    "
    الزواجر عن اقتراف الكبائر " ( 2 / 764 ) .
    3.
    قوله صلى الله عليه وسلم ( إِذَا خَلوا بِمَحَارِمِ الله ) لا يقتضي خلوتهم في بيوتهم وحدهم ! بل قد يكونون مع جماعتهم ، ومن على شاكلتهم ، فالحديث فيه بيان خلوتهم بالمحارم ، لا خلوتهم مع أنفسهم في بيوتهم ، فليس هؤلاء بمعافين ، والمعافى الذي في حديث أبي هريرة الذي يظهر لنا أنه يفعل المعصية الغالبة عليه وحده ، ولذا جاء في الحديث أنه شخص بعين ، وأن ربَّه قد ستره ، (يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ) ، وحديث ثوبان فيه الجمع ( قوْم ) و ( خَلَوا ) .
    قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله:
    الذي يبدو أن ( خلوا بمحارم الله ) ليس معناها " سرّاً " ، وإنما : إذا سنحت لهم الفرصة انتهكوا المحارم ، فـ " خلَوا " ليس معناها " سرّاً " ، وإنما من باب " خلا لكِ الجو فبيضي واصفري " .
    "
    سلسلة الهدى والنور " شريط رقم ( 226 ) .
  3.  وصف هؤلاء المذكورون في حديث ثوبان بأنهم "ينتهكون" محارم الله ، وهو وصف يدل على استحلالهم لذلك ، أو مبالغتهم فيها في هذه الحال ، وأمنهم من مكر الله ، وعقوبته ، وعدم مبالاتهم باطلاعه عليهم . فلذا استحقوا العقوبة بحبوط أعمالهم ، وليس الوعيد على مجرد الفعل لتلك المعصية ، ولعله لذلك سأل ثوبان رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يجلِّي حال أولئك ، وأن يصفهم ؛ خشية أن يكونوا منهم ، وهم لا يدرون ، ومثل هذا إنما هو طلب لمعرفة حال قلوب أولئك العصاة ، وليس لمعرفة أفعالهم مجردة .
    قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله :
    أي : أن عندهم استهتاراً ، واستخفافاً بالله عز وجل ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار ، والمعصية التي تأتي بغير انكسار ، بين شخص يعصي الله في ستر ، وبين شخص عنده جرأة على الله عز وجل ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء ، وإن كانت أمثال الجبال ، فإذا كان بين الصالحين : أَحْسَنَ أيما إحسانٍ ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله ، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال ، فظاهرها حسنات ، ( لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً ، ولا يخافون من الله سبحانه وتعالى ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر ، ويكره هذه المعصية ، ويمقتها ، ويرزقه الله الندم ، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم ، والحرقة ، ويتألم : فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله عز وجل ؛ لأنه - في الأصل - معظِّم لشعائر الله ، لكن غلبته شهوته ، فينكسر لها ، أما الآخر : فيتسم بالوقاحة ، والجرأة على الله ؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص ، أو شخصين ، ولا يتحدث عن نص محدد ، إنما يعطي الأوصاف كاملة .
    مِن الناس مَن إذا خلا بالمعصية : خلا بها جريئاً على الله ، ومنهم من يخلو بالمعصية ، وهو تحت قهر الشهوة ، وسلطان الشهوة ، ولو أنه أمعن النظر وتريث : ربما غلب إيمانُه شهوتَه ، وحال بينه وبين المعصية ، لكن الشهوة أعمته ، والشهوة قد تعمي وتصم ، فلا يسمع نصيحة ، ولا يرعوي ، فيهجم على المعصية فيستزله الشيطان ، قال تعالى : ( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) آل عمران/ 155 ، فإذا حصل الاستزلال من الشيطان ، فزلت قدم العبد ، لكن في قرارة قلبه الاعتراف بالمعصية ، والله يعلم أنه لما وقع في المعصية أنه نادم ، وأنه كاره لها ، حتى إن بعضهم يفعل المعصية وهو في قرارة قلبه يتمنى أنه مات قبل أن يفعلها : فهذا معظِّم لله عز وجل ، ولكنه لم يرزق من الإيمان ما يحول بينه وبين المعصية ، وقد يكون سبب ابتلاء الله له أنه عيَّر أحداً ، أو أنه عق والداً ، أو قطع رحمه ، فحجب الله عنه رحمته ، أو آذى عالماً ، أو وقع في أذية ولي من أولياء الله ، فآذنه الله بحرب ، فأصبح حاله حال المخذول ، مع أنه في قرارة قلبه لا يرضى بهذا الشيء ... .

    فالذي يعصي في السر على مراتب : منهم من يعصي مع وجود الاستخفاف ، فبعض العُصاة تجده لما يأتي إلى معصية لا يراه فيها أحد : يذهب الزاجر عنه ، ويمارسها بكل تهكم ، وبكل وقاحة ، وبكل سخرية ، ويقول كلمات ، ويفعل أفعالاً ، ولربما نصحه الناصح ، فيرد عليه بكلمات كلها وقاحة ، وإذا به يستخف بعظمة الله عز وجل ، ودينه ، وشرعه ، لكنه إذا خرج إلى الظاهر صلى ، وصام ، وإذا خلا بالمعصية لا يرجو لله وقاراً - والعياذ بالله - فليس هذا مثل من يضعف أمام شهوة ، أو يفتن بفتنةٍ يراها ، ويحس أن فيها بلاء ، وشقاء ، ويقدم عليها ، وقلبه يتمعر من داخله ، ويتألم من قرارة قلبه ، ثم إذا أصاب المعصية ندم .
    ... .

    فهذا الحديث – أي : حديث ثوبان - ليس على إطلاقه ، وإنما المراد به : من كانت عنده الجرأة - والعياذ بالله - ، والاستخفاف بحدود الله .
    "
    شرح زاد المستقنع " ( رقم الدرس 332 ) .

    نسأل الله أن يحبب إلينا الإيمان ، وأن يزينه في قلوبنا ، ونسأله أن يبغِّض إلينا الكفر ، والفسوق ، والعصيان .
    والله أعلم .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 











































ابلاغ عن مشاركة مخالفة !




« حديث في " المحرر " موضوع لم يحرر!! | حديث مشهور في الدعاء للجنازة مرسل على الصحيح كما قال الدارقطني ! »