منتديات مصر السلفية » المنابر » المنبر العام » الفتح المبين في الصلح بين المتخاصمين



الفتح المبين في الصلح بين المتخاصمين

الفتح المبين في الصلح بين المتخاصمين.pdf بحث أعده / أحمد بن محمد بن عمر الأزهري الأثري ليسانس الشريعة والقانون جامعة ..



06-05-2014 06:37 مساء



attachالفتح المبين في الصلح بين المتخاصمين.pdf 
 
بحث أعده /
أحمد بن محمد بن عمر الأزهري الأثري
ليسانس الشريعة والقانون
جامعة الأزهر
 
 
 
 
 
 
 
 
قال شيخ الإسلام إبن تيمية
(( ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ))
مجموع الفتاوى
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :-
إن الحمد لله، نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي لهوأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " آل عمران:102
" يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" النساء:1
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" الأحزاب:70-71

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله -جل وعلا-، وخير الهدي هدي نبينا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد فإن إصلاح ذات البين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , لما فيه من الحفاظ على وحدة المسلمين ، وسلامة قلوبهم، وإن الإصلاح بين المتخاصمين يعتبر من أعظم وأجل الطاعات، وأفضل الصدقات، والمصلح بين الناس له أجر عظيم، وثواب كريم، إذا كان يبتغي بذلك مرضاة الله تعالى، فأجره يفوق ما يناله الصائم القائم، المشتغل بخاصة نفسه.

ولقد أمرنا الله تعالى بذلك في كتابه الكريم
فقال تعالى: " لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " (114) سورة النساء
وقال تعالى : " وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ".. (128) سورة النساء .
 
وهذه رسالة مُيَّسرة في الإصلاح بين المتخاصمين جمعتها والأسى يعتصر القلب على القطيعة والهجران الذي انتشر بين المسلمين وإنا لله وإنا إليه راجعون .. جمعتها حاشدا بها سيل من نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح علها تجد قلوبا مؤمنة ونفوسا خاشعة تلين لكتاب الله ورسوله وتنكسر لعظمة الله وقدرته .
اعلم أخي القارئ أن في الجسد مضغة عليها صلاحه أو فساده ألا وهي القلب وقد قال صلى الله عليه وسلم " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " صحيح البخاري
فقبل أن تُقدم على استكمال القراءة راجع قلبك .. وأصلح حالك واستغفر ربك .. وتهيأ لتلقى كلام الله ورسوله خاشعا له مخبتا متبعا وإياك أن تلقاه بقسوة وجفاوة
فقد قال تعالى " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ " سورة الزمر 23
==================
وصية محمدية  :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحاسدوا , ولا تناجشوا , ولا تباغضوا , ولا تدابروا , ولا يبع بعضكم على بيع بعض , وكونوا عباد الله إخوانا , المسلم أخوا المسلم , لا يظلمه , ولا يحقره , التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم , كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه " رواه مسلم .
 
 
 
 
·       تمهيد :-
إخوة الإسلام
إن التخاصم والتناحر والتفرق الذي نراه واقعا بين المسلمين له مردود كارثي على الأمة فهو يصنع جيلا مشوها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا , بل ويجلب الحزبية والعصبية والطائفية وحب الذات والغدر والخيانة وتسلط الأعداء .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
(( وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله
كما قال تعالى " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " المائدة 14
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء , وإذا تفرق الناس فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا ))
فإن " الجماعة رحمة والفرقة عذاب " البخاري
 
 
 
 
 
 
 
 
((المبحث الأول ))
·      فضل الإصلاح بين الناس :-
(( الفرع الأول )) فضل الإصلاح بين الناس في القرآن
= لقد حض الله عز وجل في كتابه على الإصلاح بين الناس في العديد من الآيات :
قال تعالى " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  " الأنفال 1
وقال تعالى " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " سورة الحجرات: 9
وقال تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" الحجرات 10
 
وقال تعالى " لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " سورة النساء : 114
 
======
(( الفرع الثاني )) فضل الإصلاح بين الناس في السنة وأقوال السلف الصالح
 
= وكذلك حض النبي صلى الله عليه وسلم على الإصلاح بين المسلمين في العديد من الأحاديث الصحيحة ومنها :
 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة فقال أبو الدرداء قلنا بلى يا رسول الله قال " إصلاح ذات البين " صححه الألباني
 
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : إن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال اذهبوا بنا نصلح بينهم " صحيح البخاري
 
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " صحيح الترغيب
 
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب رضي الله عنه ألا أدلك على تجارة ؟ قال بلى قال " صل بين الناس إذا تفاسدوا وقرب بينهم إذا تباعدوا " صحيح الترغيب
 
= وأما السلف الصالح فقد حضوا كذلك على الصلح بين المتخاصمين
 
قال العلّامة الأوزاعي رحمه الله " ما من خطوة أحب إلى الله عزوجل من خطوة لإصلاح البين ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار "
 
وهذا سعيد بن المسيب رحمه الله يقول " ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة ؟ قالوا بلى , قال : إصلاح ذات البين , وإياكم و البغضة , فإنها الحالقة "
 
==============
 
ومن أكبر الأدلة على عظم قدر الصلح بين المتخاصمين أن الله يصلح بين المتخاصمين من أهل الإيمان يوم القيامة قال ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: وأصلحوا ذات بينكم ، قال: ولنذكر هاهنا حديثا أورده أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس قال: بينما رسول الله جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة  - تبارك وتعالى فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته. قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء. قال: رب فليحمل عني من أوزاري، قال: ففاضت عينا رسول الله بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى الطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه، فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال هذا لمن أعطى ثمنه، قال: رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا رب قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة، ثم قال : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة.
 
 
 
 
 
 
 
((المبحث الثاني))
 ما ورد في  النهي عن الهجران والقطيعة بين المسلمين :
قد جاء النهي عن الخصام في أكثر من حديث،
من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "  لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " متفق عليه .
وشدد في النهي ببيان تسبب الخصام في تأجيل المغفرة كما في قوله صلى الله عليه وسلم"  تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك به شيئا ، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا " رواه مسلم .
 وشدد في النهي فقال صلى الله عليه وسلم " إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه " صحيح الجامع
وقال صلى الله عليه وسلم " في ليلة النصف من شعبان يغفر الله لأهل الأرض إلا المشرك أو مشاحن " صحيح الجامع
 وبين صلى الله عليه وسلم أن من صفات النفاق المبالغة في الخصام كما في قوله " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر " متفق عليه ، ومعنى إذا خاصم فجر: أي بالغ في الخصومة
 وشدد صلى الله عليه وسلم على المبالغة فقال " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار " رواه أبو داود
، وشدد أكثر حيث اعتبر المبالغ قاتلا فقال صلى الله عليه وسلم " من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه " رواه أبو داود
 
فانظر أخي المسلم إلى ما سبق من تشديد النهي عن الخصام والوعيد الشديد لمن ارتكبه وراقب حالك فإن هول القيامة شديد .
(( المبحث الثالث ))
فضل العفو والحلم والتسامح
قالَ الله تَعَالَى "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ "  الأعراف : 199
 وقال تَعَالَى " فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ " الحجر : 85
وقال تَعَالَى "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ " النور : 22
وقال تَعَالَى  " وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " الشورى : 43
 والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة .


وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال " مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّه " صحيح مسلم


" قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبانا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه ؟ قال : سأستأذن لك عليه ، قال ابن عباس : فاستأذن لعيينة ، فلما دخل قال : يا ابن الخطاب ، والله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به ، فقال الحر : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . وإن هذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله ". صحيح البخاري
 
وروى أنه قام  أبو بكر رحمة الله عليه خطيبا ، فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي فيكم اليوم ، فقال : إن الناس لم يعطوا شيئا أفضل من العفو والعافية فسلوهما الله " حديث حسن رواه البزار .
وقد رُوي أنه كان للمأمون خادم، وهو صاحب وضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه، إذ سقط الإناء من يده، فاغتاظ المأمون عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: " والكاظمين الغيظ " . قال: قد كظمت غيظي عنك. قال: " والعافين عن الناس " . قال: قد عفوت عنك. قال: " والله يحب المحسنين " . قال: اذهب فأنت حر. " العقد الفريد


وروى أنه " جلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعامًا فابتاع، ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال: لقد جلست وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون: اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، فقال عبد الله: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه " إحياء علوم الدين
وروى أنه " قيل لأبي الدرداء: مَن أعزُّ الناس؟ فقال: (الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى"  نهاية الأرب
وقال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما:" لو أنَّ رجلًا شتَمني في أذني هذه، واعتذر في أُذني الأخرَى، لقبِلتُ عذرَه" الآداب الشرعية لإبن مفلح .
وقال الفضيل بن عياض: " إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلًا، فقل: يا أخي، اعفُ عنه؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمِل قلبي العفوَ، ولكن أنتصر كما أمرَني الله عزَّ وجل فقل له: إن كنتَ تُحسِن أن تنتَصِر، وإلا فارجع إلى باب العفو؛ فإنه باب واسع، فإنَّه مَن عفَا وأصلحَ فأجره على الله، وصاحِبُ العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور؛ لأن الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان"

وكان الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ رحمه الله تعالى كثير العفو والحلم وكان يقول: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره باحدى ثلاث إن كان فوقي عرفت له فضله وإن كان مثلي تفضلت عليه وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه وكان مشهورا بين الناس بالحلم وبذلك ساد عشيرته .
 
 
 
(( المبحث الرابع ))
من أعظم قصص العفو في الإسلام
القصة الأولى ::
في سبب نزول قول الله تعالى في محكم كتابه " وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "النور:22
نزلت هذه الآية في الصديق أبي بكر في واقعة الإفك ، فقد كان لأبي بكر ابن خالة فقير يدعى مسطح بن أثاثة ، كان يتيما وينفق عليه أبو بكر وعلى قرابته وقد كان مسطح هذا ممن جاء بالإفك مع حسان بن ثابت وغيرهما ، فلما نزلت آيات تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها طردهم أبو بكر وحلف ألا ينفق عليهم بعد ذلك وقال: قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم
فاعتذر مسطح متعللا بأنه ما كان لهم أول الأمر من ذنب فرد أبو بكر قائلا: ( إن لم تتكلم فقد ضحكت ) ، فرد مسطح بأن ذلك كان تعجبا من قولهم ، فلم يقبل أبو بكر عذره ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وصل إلى قوله تعالى" ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قال أبو بكر رضي الله عنه: (بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي) وذهب أبو بكر إلى منزله وأرسل إلى مسطح وأقاربه وقال لهم : ( قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين )
وجعل رضي الله عنه لهم مثلي ما كان لهم من قبل.
الله أكبر .. إن أبا بكر قد قبل اعتذار من قذف ابنته عائشة أم المؤمنين بمجرد أن قرأ قوله تعالى " ألا تحبون أن يغفر الله لكم "وعفا عنه وجعل له مثلي ما كان ينفقه عليه من قبل
فماذا لو أساء إلينا أحدهم عزيزا كان أو غير ذلك ثم اعتذر عما اقترفت يداه في حقنا ؟؟؟
======
القصة الثانية ::
* بعض المسلمين انخدعوا بدعاية أصحاب الإفك , ومن بينهم حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه و سلم، وبعدما جاء الوحي ببراءة أمنا عائشة أقام عليهم حد القذف. ثم مرت السنوات وتقدم حسان في العمر، ولم تعد عيناه تبصران.
يقول مسروق بن الأجدع "دخلت على عائشة رضي الله عنها وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً يشبب بأبيات له، يقول فيه:  
حَصان رَزان ما تُزَنّ برِيبة :: وتصبح غَرثىَ من لحوم الغوافل


فقلت لها: لِمَ تأذنين له أن يدخل عليك بعدما قال ما قال وقد قال الله: ﴿والذي تولَّى كِبْرَه منهم له عذاب عظيم﴾ فقالت أنه هو الذي يقول فإن أبي ووالدتي لعرض محمد منكم وقاء "
فتأمل كيف تجاوزت عائشة عن حقها وعفت عمن أساء إلى عرضها وقارن ذلك بنفسك كيف تهجر أخاك وتغضب منه لأتفه الأسباب .. وتأمل سمع أبي بكر وطاعته لكلام الله ورسوله وانظر حالك بعد قراءتك كل هذا أتقول لله نعم وسمعا وطاعة أم تكون والعياذ بالله من القاسية قلوبهم الذين لا يلينون لكلام الله ورسوله .
 
 
 
الخاتمة ::
يقول الله تعالى "  وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " الحديد 20
ويقول أيضا  " قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا "  النساء 77
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم " ازهد في الدنيا يحبك الله , وازهد في أيدي الناس يحبك الناس " صححه الألباني
ويقول أيضا " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم , فلينظر بم يرجع " رواه مسلم
وُروى عن علي رضي الله عنه " إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة , وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة , ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا , فإن اليوم عمل ولا حساب , وغدا حساب ولا عمل "
فانظر يا عبد الله إلى ما قد وعيت وتأمل ما قرأت وانطلق إلى ما تحب ان تكون فيه وكن كما قال علي رضي الله عنه من أبناء الآخرة وعش على الأرض كما لو كنت في جنة الخلد واعمل لدار غد
واعلم أن الأمر هين , والدنيا مهما طالت فهي قصيرة ومهما عظمت فهي حقيرة والجنة أسمى وأعز على قلب المؤمن من قناطير الذهب والفضة .
وفقنا الله وإياكم إلى إتباع أمره واجتناب نهيه وجمعنا الله بكم في جنته إخوانا على سرر متقابلين والله المستعان وعليه التكلان وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 
وكتبه المقر بالتقصير راجي رحمه العلي القدير
                                                            أحمد بن محمد بن عمر الأزهري الأثري 









































 
 
تحميل المرفق :(الفتح المبين في الصلح بين المتخاصمين.pdf) مرات التحميل :(123) الحجم :(489.166) KB

ابلاغ عن مشاركة مخالفة !




« كيف أرتقي من ظالب علم إلى شيخ إلى عالم والله الموفق | [جديد] مقدمة شيخنا الفاضل جمال الحارثي على بحثي الإذاعة »